مع دخول 2026، يواصل سوق العقار السعودي مسار نمو لافتاً مدفوعاً بعوامل متشابكة: مشاريع رؤية 2030، إصلاح تنظيمي لتملك الأجانب، وتحول تقني متسارع في طريقة إدارة الأصول العقارية. هذا النمو لا يظهر في قطاع واحد بعينه، بل يمتد عبر السكني والتجاري والفندقي، وعبر أدوات استثمار جديدة توسّع قاعدة من يمكنهم المشاركة في هذا القطاع. لمدراء الأملاك والمستثمرين، فهم هذه المؤشرات لم يعد رفاهية تحليلية، بل ضرورة لبناء قرارات تشغيلية واستثمارية مدروسة خلال العام.

حجم السوق ومسار النمو

قدّرت تقديرات السوق حجم قطاع العقار في المملكة بنحو 77.2 مليار دولار أمريكي خلال 2025، مع توقعات بنمو المسار نحو 141.6 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 6.73% للفترة بين 2026 و2034. وتشير تقديرات أخرى إلى مسار نمو من نحو 79.09 مليار دولار في 2026 إلى ما يقارب 113.96 مليار دولار بحلول 2031. اختلاف الأرقام بين المصادر متوقع في أي قطاع بهذا الحجم، لكن الاتجاه العام واحد: سوق يتوسع بشكل مستدام على مدى العقد المقبل، وليس نمواً مؤقتاً مرتبطاً بدورة اقتصادية قصيرة.

هذا النمو ليس مدفوعاً بعامل واحد، بل بتراكم عدة تحولات متزامنة: توسع عمراني مستمر في المدن الكبرى، ضخ استثماري ضخم في مشاريع رؤية 2030، وانفتاح تدريجي على رأس المال الأجنبي بعد تحديث نظام التملك. حتى الفوارق بين تقديرات المصادر المختلفة تعكس صعوبة قياس قطاع يتغير بهذه السرعة، أكثر مما تعكس شكاً في اتجاه النمو نفسه. بالنسبة لأي طرف يخطط على مدى سنوات لا أشهر، الإشارة الأهم هنا هي الاستمرارية: سوق يكبر تدريجياً لعقد كامل، لا موجة قصيرة ترتفع ثم تهدأ.

رؤية 2030 والمشاريع الكبرى كمحرك رئيسي

تبقى مشاريع رؤية 2030 الكبرى، نيوم، القدية، بوابة الدرعية، والبحر الأحمر، من أبرز محركات الطلب العقاري الإقليمي. هذه المشاريع لا تُنشئ طلباً على العقار داخل حدودها فقط، بل تُحدث أثراً ممتداً على المدن والمناطق المحيطة بها، من إسكان القوى العاملة إلى الأنشطة التجارية والخدمية المصاحبة. حصل مشروع نيوم وحده على عقود بقيمة تقارب 24 مليار دولار أمريكي حتى أكتوبر 2025، وهو مؤشر على حجم الأنشطة الإنشائية والتشغيلية التي ستحتاج، عاجلاً أو آجلاً، إلى إدارة عقارية احترافية.

الأثر هنا لا يقتصر على المناطق المحيطة مباشرة بهذه المشاريع، بل يمتد إلى مدن الدعم اللوجستي والخدمي التي تغذي الإنشاءات والتشغيل، وإلى قطاعات مرتبطة كالفنادق والمطاعم والخدمات الترفيهية. كل مرحلة جديدة من هذه المشاريع تعني موجة إضافية من الطلب العقاري، سواء كانت مباشرة على شكل سكن للعمالة، أو غير مباشرة على شكل نشاط تجاري مصاحب ينمو حول المشروع الأساسي.

إصلاح تملك الأجانب يفتح قنوات استثمار جديدة

دخل نظام تملك غير السعوديين للعقار حيّز التنفيذ في يناير 2026، بعد اعتماد لائحته التنفيذية وتحديد النطاقات الجغرافية المشمولة منتصف العام. يسمح النظام للمقيمين الأجانب بتملك وحدة سكنية واحدة في معظم مدن المملكة، باستثناء مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والرياض، بينما يقتصر تملك غير المقيمين على مناطق جغرافية يحددها مجلس الوزراء تحديداً. هذا الانفتاح التنظيمي يُتوقع أن يُترجم تدريجياً إلى تدفقات استثمارية إضافية، خصوصاً من مستثمرين وأفراد يبحثون عن فرص عقارية مرتبطة بمشاريع رؤية 2030.

عملياً، هذا يعني دخول شريحة جديدة تماماً من المستثمرين إلى السوق: أفراد ومؤسسات لم يكن بمقدورهم سابقاً تملك عقار في المملكة بشكل مباشر. حجم هذا الأثر لن يظهر دفعة واحدة، بل سيتراكم تدريجياً مع اتضاح تفاصيل المناطق الجغرافية المشمولة، وتراكم سوابق تطبيقية تمنح المستثمرين ثقة أكبر في وضوح الإجراءات ومساراتها.

التقنية العقارية تعيد تشكيل التشغيل اليومي

إلى جانب النمو في حجم السوق، يشهد قطاع التقنية العقارية (PropTech) توسعاً سريعاً، إذ قُدّر حجمه بنحو 0.86 مليار دولار في 2024 مع توقعات بالوصول إلى نحو 2.48 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 19%. تتصدر الرياض تبني هذه الحلول إقليمياً بحصة تقارب 28%، مدفوعة بمشاريع الإسكان الكبرى والتوسع العمراني ونمو الأحياء التجارية. عملياً، هذا يعني أن برامج إدارة الأملاك، والعقود الرقمية، والتقارير المالية الآلية تتحول من ميزة إضافية إلى معيار تشغيلي متوقع من المُلّاك والمستثمرين.

هذا التحول لا يقتصر على الشركات الكبرى؛ فحتى المكاتب الصغيرة والمتوسطة أصبحت أمام ضغط تنافسي يدفعها لتبني أدوات رقمية أساسية، لأن المُلّاك والمستأجرين أنفسهم باتوا يتوقعون مستوى معيناً من الشفافية والسرعة في التعامل، بغض النظر عن حجم الجهة التي تدير أصولهم.

نمو الاستثمار المؤسسي عبر صناديق الريت

موازاة مع نمو السوق ككل، تكتسب صناديق الاستثمار العقاري المتداولة (الريت) زخماً متزايداً كأداة تتيح للمستثمرين التعرض لسوق العقار دون تملك مباشر. هذا الاتجاه يعني تحولاً تدريجياً في هيكل الملكية نفسه: من عقارات مملوكة لأفراد بشكل مباشر إلى محافظ مملوكة مؤسسياً تُدار وفق معايير حوكمة وإفصاح أعلى. بالنسبة لقطاع إدارة الأملاك، هذا يعني نمواً في حجم الأصول التي تحتاج مستوى احترافية أعلى من التقارير والتوثيق، وهو اتجاه يُتوقع أن يتعمق أكثر مع نضج السوق المالية السعودية.

ماذا يعني هذا لمدراء الأملاك والمستثمرين؟

اجتماع هذه العوامل، نمو السوق، المشاريع الكبرى، انفتاح التملك، التحول التقني، ونمو الاستثمار المؤسسي، يعني أن حجم الأصول التي تحتاج إدارة احترافية سيستمر في التوسع، وأن توقعات المُلّاك والمستأجرين من مستوى الخدمة سترتفع معها. عملياً، هذا يترجم إلى بضع أولويات واضحة لأي جهة تدير أصولاً عقارية اليوم:

  • مراجعة الجاهزية التشغيلية: هل تملك الجهة أدوات كافية لإدارة نمو مفاجئ في عدد الوحدات أو العقود دون أن تتعثر جودة الخدمة؟
  • الاستعداد لعملاء أجانب: فهم متطلبات التحقق من الأهلية والتوثيق مع دخول مستثمرين ومقيمين جدد من خارج المملكة إلى قاعدة العملاء.
  • رفع مستوى التقارير المالية: خصوصاً مع تزايد الأصول المملوكة مؤسسياً عبر صناديق أو شركات استثمار، والتي تتطلب دقة وانتظاماً أعلى من الملكية الفردية التقليدية.
  • متابعة التطورات التنظيمية أولاً بأول: فالنظام الجديد لتملك الأجانب لا يزال في مراحله التطبيقية الأولى، وتفاصيله ستتضح أكثر مع الوقت.

الشركات والمكاتب التي تستثمر مبكراً في تنظيم عملياتها وتبني أدوات رقمية مناسبة ستكون في موقع أفضل للاستفادة من هذا النمو، بدلاً من اللحاق به لاحقاً تحت ضغط المنافسة.

سوق بهذا الحجم من التوسع نادراً ما يمنح فرصاً متساوية للجميع؛ من يبني الجاهزية التشغيلية والتقنية اليوم هو من سيحصد أثر هذا النمو غداً، سواء كان مالك أصل، مستثمراً، أو شركة إدارة أملاك تخدم الطرفين.

المصادر